دراسات- الوعاظ الجدد والأثرياء الجدد ... بقلم/أحمد عبد الحليم حسين :
الوعاظ الجدد والأثرياء الجدد
بقلم/أحمد عبد الحليم حسين
من المعلوم أن الإسلام دين موجه للبشرية كافة بما يعنى انه دين عالمى ، وقد انتشر بطريق الغزو فى بعض البلاد وفى الأغلب بالحكمة والموعظة الحسنة عن طريق التجار والجوار. ولأنه عالمى فكان لابد من الدعوة إليه. والدعوة معنى ولفظا تعنى سماحة التقديم والحرية فى الاختيار ، وحسن القول ، وعقلانيته فى نفس الوقت بحيث يرشد إلى العدل والحق والحرية والسلام ويرقق قلوب العتاة ويواسى الحزانى والمظلومين. وقد سار على هذا النحو فى صدر الإسلام حتى جرى توظيفه أيديولوجيا بدءا من الخلافة الأموية القائمة على السيف والدماء. ومن هنا جرى تسخير الدعوة بل والإسلام ذاته فى الصراع بين الخصوم ولتبرير مشروعية الخلافة المتغلبة ومن هنا أيضا صار " حرفة رسمية " بعد ان كان الفقهاء قبل ذلك وحتى الأنبياء ذاتهم يحترفون حرفا معينة يتكسبون منها معاشهم قبل النبوة أو التفقه.
وأُسقط الهدف الدينى ليحل الهدف السياسى الاجتماعى محله. وراح يبحث لينهل من مصادر غير إسلامية أسطورية وخرافية بل ووثنية. وفى نفس الوقت وُظفت الدعوة من قبل المعارضة لشرعية الخلافة ضد السلطة المغتصبة المستبدة وفى كل الحالات وجد فيه الفقراء والمهمشين عزاء عن فقرهم وتهميشهم ووعدا بالمتع الحسية فى الآخرة والمحرومين منها فى الدنيا التى فُسرت بأنها من "التدنى ". وقد برع الوعاظ فى تلفيق الروايات والأحاديث لترويج بضاعتهم. واصبح الوعظ على مر التاريخ الاجتماعى فى المجتمعات الموصوفة بالاسلامية حرفة للكثيرين من اصحاب الشأن الدينى ومن الدخلاء عليهم طمعا فى الكسب الذى كان فى بعضه عريضا بفضل عطايا الحكام حتى تعددت وتنوعت البدع من هذا النشاط الذى تحول الى " فن " استثارة والاستئثار بالسامعين. وجرى ابتداع (ابداع؟) طرقا لتسويق بضاعة الوعظ منها ذكر الاشعار والاخبار فى غير محلها وتفسير بعض الايات فى غير مقصدها وسياقها ، ومنها استتابة الجمهور على نحو جمعى تعقبه صيحات مصطنعة او حقيقية من فرط التأثير على السامعين بالحيل المدروسة ثم ينتهى الوعظ بتشنجات واغماءات. ولا يتورع الواعظ فى بعض الاحيان عن ذكر بعض الفكاهات او سرد بعض من شعر الغزل لتجديد انتباه الموعوظين واستمالة الحاضرات من النساء وقد أجاد بعضهم فى الحركات والسكنات والايماءات شبه المسرحية من أجل توصيل المعنى المقصود والوصول بالسامعين إلى حالة من التخدير الكامل (الشيخ الشعراوى نموذجا) ناهيك عن أساليب رفع الصوت وخفضه وتنغيمه ليأسر الألباب ويصل إلى ذروة التشويق ، فتسيل الدموع وتتعالى الصيحات. وقد ساد هذا النوع من الوعظ فى عصور الانحطاط التاريخى الإسلامى كما يسود اليوم فى عصر الهزائم الكبرى والخضوع للهيمنة الأمريكية والصهيونية والتفريط فى الاستقلال الوطنى وبشاعة استغلال الطبقة الحاكمة للعمال والفلاحين والطبقة المتوسطة ، وانسداد شرايين العمل السياسى الحزبى والنقابى ، حتى ظهر الوعاظ الجدد (الدعاة الجدد) مع ظهور الأثرياء الجدد فتجد الباشا الواعظ يركب المرسيدس ويوظف الحراس لحراسة فضيلته (رذيلته ؟) ويرتدى أحدث الموديلات من الملابس المستوردة ويزين معصمه بساعة ذهبية وتجرى الدماء فى وجهه نشى بالعافية التامة والصحة الكاملة يبشرون الناس بالجنة فى الآخرة ويستعجلونها لأنفسهم فى الدنيا. كما ارتبط ظهور هؤلاء الوعاظ "المودرن" بالتحلل الخلقى والقيمى الذى أصاب المجتمع نتيجة فساد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى نالت مجمل الشعب المصرى وأفضت إلى الإفقار والبطالة وسوء التعليم والخدمات الصحية والسكينة وإنزواء قضايا الحرية والتحرير ، وعندما يفقد الناس الأمل فى حياة كريمة يلجأون إلى الاعتصام بالأمل فى حياة أخرى تعوضهم عما هم فيه من عناء وبلى. وعندما لا يستطيع الناس التجمع فى أحزاب أو نقابات أو جمعيات يتجمعون فى صلاة التراويح التى يبالغ الوعاظ فى إطالة وقتها لساعات ليعود "المتروح" إلى منزله مهدودا فلا يعى واقعه وأحواله.
وإذا تذكرنا أن لكل مستبد سيف وشيخ وشاعر "مثقف" فقد صار للوعظ الدينى أجهزة إرسال عديدة منها المطبوعات بأبخس الأثمان وعلى الأرصفة وشرائط الكاست وعشرات من دور النشر والتوزيع وبرامج ومسلسلات تلفزيونية يقوم عليها كتاب ومخرجون وفنيون يتولون صناعة الأعمال الوعظية وإشاعة النرجسية العربية الدينية وبأجور عالية لا تقارن بأجور زملائهم فى المهنة ويخدم الوعاظ قوى مترابطة المصالح والتوجهات وعلى رأسها السلطة الحاكمة الممثلة للرأسمالية الاحتكارية الخادمة للمصالح الإمبريالية والصهيونية ، كل هذه الأبواق تحرِّم عمل المرأة إلا فى حدود وتُقيد من الغناء والرياضة إلا فى زى معين وتقر زواج الجن بالإنس وإنتاج أطفال "جن" وتفرض البسملة أو الصلاة قبل النكاح والتبشير بسبعمائة زوجة لمن يدخل الجنة يضاجعهن يوميا ثم يعدن أبكارا (ما نصيب المرأة المؤمنة؟) ويروجون للاستبداد بمقولة "من اشتدت وطأته وجبت طاعته" لأن قضية الحرية ليست من أولويات فقه الوعاظ الذى له أولويات أخرى مثل الحفاظ على وحدة الأمة (يؤبدون الاستبداد) فى مواجهة الفتن السياسية (باعتبار كل تمرد أو احتجاج أو ثورة لا قدر الله فتنة) وتطبيق الحدود الشرعية وتروِّج لنظرية "الولاء والبراء" التى تأمر المسلم بالولاء للمسلم وإن أساء إليه والبراءة من غير المسلم وإن أحسن إليه. مما يهدد الوحدة الوطنية بالإنكسار بما يحقق أهداف الإمبريالية والصهيونية.
سيطر الوعاظ الجدد على الفضاء الاجتماعى والثقافى وصار الواعظ هو "بابا وماما" المسحوقين والمظلومين والمقهورين والغائبين عن الوعى فلا كلام ولا سلام ولا فعل ولا ابتسامة ولا ضجر ولا حب ولا زواج ولا طلاق ولا بنوة ولا أبوة ولا حتى دخول المرحاض إلا بفتوى ، بالفتوى أنت فى أمان فنم فى آمان ومُت فى أمان نحن نحرسك على الدوام !!!
وهكذا يصبح رجال الدين الوعظى "ملوك الآخرة" بالتشارك مع "ملوك الدنيا".
هذا جانب من الوعظ الشائع والمكثف والمخصص له قنوات فضائية والمدرج أيضا فى قنوات إخبارية أو عامة حتى لا يفلت أحد من الوعظ إياه هنا أو هناك. أما الجانب الثانى من الوعظ فهو يلبس ثياب العلم باعتبارنا فى عصر العلم والتكنولوجيا وبدلا من أن ننتجه إدعينا امتلاكه فى كتاب مكنون وهناك الآن فى مصر والحمد لله مدرسة لأسلمة المعرفة بكل أنواعها بدءا من الفيزياء والكيمياء وعلم وظائف الأعضاء والخلية والأنسجة إلى المحاسبة والاقتصاد والقانون. تحت شعار "الإعجاز العلمى للقرآن" متناسين أن الله حين خلق العالم أودع فيه حركته وفق أسباب يمكن للعقل أن يدركها وإن لم يدركها اليوم فالمحاولات لا تتوقف وينجز الإنسان فيها شأنا عظيما ، وتأمَّل سيرة الإنسان من البدائية إلى عصر الفضاء والجينات والاستنساخ ستجد نجاحات قيِّمة. فعندما انصرف المسلمون بعد انهيار إمبراطوريتهم العربية الإسلامية عن العقل والنظر فى ملكوت الله كان بداية النهاية للعلم عندهم حيث حل الاتباع محل الإبداع فانحصرت معارفهم فى "العلوم" الدينية والنقلية باعتبار ما عداها من قبيل "العلم غير النافع" ومعيار المنفعة هى ما ينفع فى الحياة الأخرى لا الحياة الدنيا. وفى إطار هذا الانحطاط الحضارى الذى نعيش أعلى موجاته حاليا ظهر ما يطلق عليه الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم باعتبار الكتاب المقدس جامعا للعلم النافع ناسين أن القرآن الكريم كتاب هداية لا دراية وأن ما ورد فيه من إشارات علمية إنما جاءت للموعظة وليس للمعرفة. بدأ المدرسة مصطفى محمود فى شطحاته وتأملاته ودروشته وانتهت بزغلول النجار المتخصص فى الجيولوجيا وهى من فروع العلم المهمة. وقد أعلن أحد الوعاظ (الشعراوى) أن الله سخَّر لنا علم الغرب وعلمائه لكى يبحثوا ويكدوا ونحن المسلمون ننعم بإنجازاتهم العلمية دون تعب. يعنى أن علماء الغرب "هبل" ونحن الأذكياء طبقا لذكاء الواعظ ، وهى دعوة خبيثة تتخفى بالدين لإلغاء العقل العربى وتبرير غيابه عن ساحة التقدم. وهى دعوة تحرج القرآن الكريم إذا ماثلنا ما جاء به مع الاكتشافات العلمية الحديثة ثم أثبت البحث العلمى ذاته خطأ تلك الكشوف. والدكتور زغلول النجار كان عليه أن يبحث ويتنبأ بالزلازل ومتى تصيب البشر وهو عالم جيولوجيا ، ويتحفظ جل العلماء والباحثين على تفسيراته ويصفق لها العوام وأنصاف المتعلمين ويحوز الجوائز والنياشين من بعض الحكام العرب خاصة آل سعود. ويتبع العلوم الطبيعية "الاقتصاد الإسلامى" و"المحاسبة الإسلامية" و"البنوك الإسلامية" و"التفسير الإسلامى للتاريخ" ، وصولا إلى "الدولة الدينية" وهى المبتغى الأساسى.
وهكذا ينحط العلم ويتراجع التأويل العقلى لما فيه مصلحة المسلمين ، ويُتوسع فى أنواع من الوعظ لا يحتاجها الناس لتدبير معاشهم والارتقاء به مثل "فقه الغُسل" و"فقه النجاسة" و"فقه تفسير الأحلام" و"فقه الحج والعمرة" ، ولم يعد الوعاظ الجدد محطا لإقبال العوام والطبقات الدنيا فقط والطبقة الوسطى العليا بل وبعض أبناء وذوى الأرستقراطية الجديدة التى كسبت الدنيا وتريد معها الآخرة بطريقتها وكأن الآخرة محل للنهب كما النهب الواقع فى الدنيا. وتبارك السلطة الحاكمة هذه التوجهات كما تباركها القوى الإمبريالية والصهيونية وتشرف عليها المملكة السعودية وتموله بسخاء لأن الوعاظ الجدد هم أبناء المدرسة الوهابية السعودية التى تحمى نظاما من بقايا القرون الوسطى. كى تسد المنافذ على الوعى الوطنى والطبقى فتبقى الأحوال على ما هى عليه ، إفقار واستبداد وتفريط فى قضايا الوطن ، وكلما ضاقت أرض الواقع بالواقع اتسعت سماء الوعظ الفاجع.
22/12/2009
أضيف بواسطة : إدارة الموقع
التعليقات على هذا الموضوع
|
الإسم : |
اشرف سعد |
|
التعليق : |
مقال اكثر من رائع فلنتحد ضد الدولة الدينية |
أضف تعليق
|