مقالات- رد الكتور عمر السباخي ( 3 مقالات ) علي ذكريات الأستاذ أحمد حمروش بالأهرام في 8/1/2010 .. :
1- ذكريات الأستاذ حمروش بين الوهم والحقيقة
د. عـــمر السباخى.....جامعة الإسكندرية
من أخطر ما تتعرض له الأوطان فى أعقاب الهزائم والانكسارات هز الثوابت الوطنية التي التف حولها أبناء الوطن على مر تاريخهم . فإذا اختلف أبناء الوطن حول هذه الثوابت انعدمت روح الولاء والانتماء بين أفراده،وفقد الوطن تماسكه وكيانه ، وأصبح من السهل تفكيكه وبعثرة مكوناته. وقد تعرض تاريخ مصر الحديث إلى حملة تشويه ضخمة للإساءة إلى كفاح الشعب ورموزه وإلى قناعاته التي دافع عنها وضحى من أجلها بدم الشهداء . ولعل من أوضح تلك الحملات – وربما أخطرها – ما واجهته علاقة مصر بالقضية الفلسطينية ، وذلك بعد انتهاء حرب أكتوبر 1973، وإتباع مصر سياسة المفاوضات والحل السلمي والذي أدى إلى معاهدة كامب ديفيد عام 1979، والتي عارضتها النخبة السياسية المصرية على اختلاف أطيافها وانتهت بأحداث سبتمبر /أكتوبر 1981 الفاجعة .
ذكريات الأستاذ حمروش
فى إطار هذا التشويه تأتى ذكريات الأستاذ أحمد حمروش المنشورة فى جريدة الأهرام الصادرة 8/1/2010 . فرداً على سؤال ( لماذا انفرد الشيوعيون فى مصر بصفة خاصة بقبول قرار التقسيم الصادر عام 1947؟) يجيب الأستاذ حمروش ( رفض قرار التقسيم أكبر غلطة وقع فيها العرب ، لأن بريطانيا كانت تهدف لدفع العرب واليهود إلى حرب مسبقة ، وقد قمت بزيارة فلسطين عام 1945 حيث كنت أدرس فرقة عسكرية هناك ولمست مدى انسجام الشعب الفلسطيني من يهود ومسلمين ومسيحيين .... كنا في غنى عن هذه الحروب .. لكن الإخوان المسلمين بصفة خاصة هم الذين أشعلوا الوجدان الوطني في مصر إزاء هذه الحرب لكنهم لم يشتركوا في الكفاح المسلح ضد الانجليز في القناة عام 1951 مثلاً)!!!
بعض الحقائق عن الصراع العربى الإسرائيلي
أول ما أصابني بالصدمة – ولعل هذا هو الشعور الذي ينتاب القارئ الكريم – هو قول الأستاذ حمروش بأنه لمس ( مدى انسجام الشعب الفلسطيني من يهود ومسلمين ومسيحيين ... عام 1945). لنقرأ وبإيجاز ماذا تقول كتب التاريخ الموثقة بدلا من" الذكريات" .
أثارت محاولة محمد على توحيد العالم العربي فزع أوروبا لا سيما بريطانيا الدولة الاستعمارية الأولى منذ منتصف القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين وقفت بريطانيا أمام أى محاولة لتوحيد العرب مستغلة مسألة حماية الأقليات، إلى أن أتاحت لها الظروف الدولة قيام دولة إسرائيل لتقوم بمهمة تفتيت العالم العربي . أقامت بريطانيا قنصلية لها فى القدس عام 1839 وكان همها الأول حماية اليهود في أرض فلسطين والذين لم يزد عددهم عن تسعة آلاف نسمة . ومنذ ذلك الوقت والسياسة البريطانية تفكر فى استخدام اليهود لتنفيذ مخططاتها . من ذلك أن رئيس وزراء بريطانيا بالمرستون يبعث إلى سفيره فى تركيا قائلاً: ( ... إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين تحت حماية سلطان تركيا تشكل سدا منيعا في وجه مخططات محمد على الشريرة أو من يخلفه) ، ويتضح من هذا أن السياسة البريطانية خططت منذ زمن مبكر لزرع دولة يهودية في فلسطين لتنفيذ مخططاتها العدوانية تجاه العالم العربي ، وذلك قبل الهجرة الصهيونية إلى فلسطين. ونظرا لعجز اليهود على الاندماج في مجتمعاتهم الغربية ، سيما في شرق أوروبا ، بدأت فكرة الصهيونية - وهى حركة استعمارية استيطانية إحلالية الغرض منها تهجير يهود العالم إلى فلسطين وإحلالهم محل أهلها - فى الانتشار،وصاحبها تعلم اللغة العبرية التي كانت قد اندثرت ، وبدأت أول مستعمرة صهيونية فى فلسطين عام 1882 .
وقد بدأ التوتر بين الفلسطينيين واليهود الصهاينة منذ عام 1900 نتيجة لإجلاء العرب من بعض قراهم. بدأ الفلسطينيون- سيما المتعلمون منهم- فى الإحساس بالخطر الزاحف على وطنهم بسبب شراء اليهود للأرض ، وقامت المظاهرات والاحتجاجات ، وتأسست بعض المنظمات العربية لمكافحة الصهيونية .ورغم الشكاوى العديدة التي أرسلها الفلسطينيون إلى الآستانة للشكوى من ازدياد عدد المهاجرين الصهاينة، فقد أصمت تركيا الأذان عنها .
تسارعت وتيرة الأحداث بعد ذلك وازداد العداء بين العرب واليهود بصدور وعد بلفور عام 1917. أعطت بريطانيا أرضا لا تملكها إلى جماعة لا تستحقها على حساب شعبها الفلسطيني . وطوال فترة الحكم البريطاني لفلسطين مكنت بريطانيا لليهود ، مما أدى إلى ردود فعل شديدة من جانب الفلسطينيين ، لذلك تكونت الجمعيات الإسلامية المسيحية لتقف فى وجه المنظمات الصهيونية . وفى عام 1920 وإثر إحدى الاحتفالات اندلعت أعمال العنف في القدس وراح ضحيتها تسعة من العرب وخمسة من اليهود بالإضافة إلى مئات المصابين ، وصدرت أحكام بالسجن ضد 23 شخصا لاشتراكهم في الاضطرابات . وحاولت بريطانيا تهدئة الثائرين دون جدوى ، إذ كان ردهم (... إننا لا نفهم كيف يمكن أن تتم إقامة وطن قومى لعناصر غريبة عن بلادنا دون المساس بحقوقنا الدينية والمدنية !) وكانت المظاهرات تقابل كبار البريطانيين الذين يزورون فلسطين، مطالبة بإلغاء وعد بلفور ، دون جدوى ، مما دفع الفلسطينيين إلى مقاطعة الترتيبات السياسية التى حاولت بريطانيا فرضها على فلسطين. وحين زار بلفور فلسطين لافتتاح الجامعة العبرية عام 1925 حدث إضراب شامل فى مختلف أنحاء البلاد ورفعت الرايات السوداء. وفى عام 1929 اندلعت ثورة البراق إثر تظاهرة قام بها بعض اليهود عند حائط المبكى رافعين أعلامهم ومرددين النشيد القومى اليهود ، وموجهين الشتائم للعرب، مما أثار غضب العرب الذين هاجموا اليهود ، وفتح البوليس النيران على العرب وشاركت مدن الخليل ونابلس فى الثورة وقتل أكثر من 60 يهودياً .... الخ، وأعدم ثلاثة من العرب . ومن الجدير بالتسجيل هنا أن لجنة بريطانية كتبت تقريرا عن تلك الأحداث ذكرت فيه ( ... لم يكن للعنصر الديني القومي المثير سوى أثر ضئيل فى نمو العداء ضد الوطن القومي لليهود . فالقومية فى فلسطين ذات طابع سياسي أكثر منه ديني ....) . وفى عام 1935 وفى ضوء سوء الأحوال الاقتصادية بين العرب وانتشار البطالة بينهم ، اندلعت ثورة عز الدين القاسم واستشهد فيها القسام نفسه وصار مثلاً للفداء والشجاعة . وجدير بالتسجيل أيضا أن وجهاء الفلسطينيين كانوا أكثر تقربا للبريطانيين وبعدا عن المشاركة في الثورات التي يقوم بها الفلاحون والطبقات الفقيرة . أما الثورة الفلسطينية الكبرى فقد استمرت من عام 1936 حتى1939 وقدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء من أبنائه ، وكانت مطالب الثائرين الذين شاركوا فيها من كل قرى ومدن فلسطين ، هو وقف الهجرة اليهودية فورا . واضطرت بريطانيا إلى اللجوء لأقصى درجات العنف لإعادة الهدوء والسيطرة على الأمور واستدعت أساطيلها وطيرانها لذلك ، وأصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض عام 1939 ( بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة يقتسم فيها العرب واليهود على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما...) . ،واستقبل اليهود الكتاب الأبيض بالرفض والمقاومة، وتوجهوا صوب الولايات المتحدة القوة الامبريالية الجديدة لتنفيذ مخططهم الصهيوني.
استغل اليهود الفترة من 1940 إلى 1947 أفضل استغلال، وكان الكثير من اليهود قد تطوع في جيوش الحلفاء مما أكسبهم خبرة بالأسلحة الحديثة وفنون الحرب. لذا فقد بذل السياسيون اليهود جهوداً جبارة لإلغاء سياسة الكتاب الأبيض. أما في مجال الهجرة فقد تزايدت بوتيرة غير مسبوقة، وفى بعض الأحيان بالتعاون مع الأجهزة النازية وشهدت تلك الفترة تصاعدا في إنشاء المنظمات الإرهابية ( أرجون – شيترين – الهاجانة ) وهى التى لعبت دورا حاسما في طرد العرب من فلسطين وإقامة إسرائيل عام 1948.
أردت أن استعرض بإيجاز حالة العداء والتوتر بين العرب والصهاينة على مدى ستين عاما (1882- 1945 ) حتى أنفي تماماً ما قاله الأستاذ حمروش حول انسجام الشعب الفلسطيني من يهود ومسلمين ومسيحيين الذي لمسه عام 1945 وتناقض هذه المقولة مع الحقائق التاريخية!
2- هل كان رفض قرار تقسيم فلسطين أكبر غلطة ؟
د. عمر السباخي ....جامعة الإسكندرية
كما أكدت في مقال سابق فإن التشكيك في الثوابت الوطنية والإساءة إلي كفاح الشعب هو السبيل إلي ضياع الوطن وانعدام روح النضال والنهضة. ومن أخطر المقولات الخادعة والتي تكررت في السنوات الماضية هي مقولة أن الحكمة كانت تقتضي علي العرب القبول بقرار تقسيم فلسطين، وهاهو الأستاذ حمروش في مذكراته ( الأهرام 8/1/2010) يردد نفس المقولة! ويذكر أن ( ... رفض قرار التقسيم كان أكبر غلطة وقع فيها العرب...) وبمعنى آخر يريد الأستاذ أن يقول ( إنه لو قبل العرب قرار التقسيم عام 1947 لكان الوضع أفضل أو لتحقق السلام ) . بالطبع المسألة افتراضية محضة ، واعتقادي الشخصي أنه لو حدث ذلك ، لما تغير من الأمر شيء . ذلك أن إسرائيل مشروع استعماري استيطاني إحلالى يقوم على تهجير اليهود من بلادهم التي ولدوا وعاشوا فيها إلى" وطنهم القومي" في فلسطين بعد تفريغها من سكانها العرب. وترى منظمة الأرجون تحت قيادة بيجن ( رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد ) ( ... إن الحل المثالي للمشكلة يتلخص فى تفريغ الأرض من عرب فلسطين ( الذين يصفهم بالغزاة) ) .. ويبرر استخدام العنف والإرهاب لتحقيق هذا الهدف بقوله ( ... إنه تمرد مشروع لبناء الوطن ...) .
والحقيقة إن رفض العرب لمشروع التقسيم كان مبنيا على مبررين : الأول إن الناظر إلى خريطة التقسيم يجدها عجيبة الشأن . فقد خصصت للدولة اليهودية المنطقة الساحلية من فلسطين فيما عدا يافا ، إذ كان أغلب أهلها من العرب ، ثم أضافت لليهود جزءا من شمال فلسطين لا يتصل بساحل البحر إلا عبر ممر ضيق ، ثم جعلت لهم أخيرا صحراء النقب المتاخمة لمصر لتمنع أى صلة بين بلاد العرب . أما بالنسبة لمنطقة العرب فقد ترك لهم جزء من الساحل هو قطاع غزة وجزء ضيق من الأرض بين الساحل المخصص لليهود وصحراء النقب ، وبهذا فإن المنطقة العربية أصبحت غير متصلة جغرافيا ،مما يصعب معه استقلالها الاقتصادي أو حماية أمنها (أنظر صفحة 27 من كتاب د. محمد حسين هيكل: مذكرات في السياسة المصرية-جزء 3-دار المعارف 1990). بالإضافة إلى كل ما سبق فقد كان توزيع العرب واليهود فى كلا المنطقتين لا يسمح بالاستقرار لأيهما ، وكان من المؤكد حدوث مذابح وحروب وتصفيات عرقية . ومع ذلك فإن الأستاذ حمروش في كتابه ( قصة ثورة يوليو- جزء 1 – دار الموقف العربي – دون تاريخ ) يقول (.... كانت فرصة النضال (!) لتكوين دولة موحدة(!) في ظل السلام (!) أكبر من فرصة فرضها بالقتال – علامات التعجب من عندي ) . أما السبب الثاني لرفض التقسيم فكان إن القبول بالتقسيم يعنى ضمنا الاعتراف بشرعية الوطن القوم لإسرائيل فئ أرض فلسطين . كما أنه يعنى القبول بنشأة الدولة على أساس دينى صرف ... فاليهود الذين قدموا إلى فلسطين مختلفون في اللغة والقومية والجنس واللغة ولا يجمعهم سوى الدين .
مرة أخرى أرى إن قبول قرار التقسيم أو رفضه لم يكن ليغير مما حدث شيئا والدليل القاطع علي ذلك هو ممارسات الكيان الصهيوني وما قامت ( وتقوم) به إسرائيل من أعمال إرهاب وعنف لإجبار السكان العرب على ترك قراهم وارتكابها للمجازر الوحشية، يؤكد أن إسرائيل لم تكن لترضى سوى بالواقع الذي فرضته قوتها العسكرية وكما قال بن جوريون ( .... حدود إسرائيل تتحدد في آخر مكان تصل إليه ذراعها العسكرية..). والواقع إن القوى السياسية فى مصر والعالم العربي رفضت قرار التقسيم ، فيما عدا الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ( حدتو) التي خرجت على الإجماع الوطني بتأثير بعض الصهاينة الذين سيطروا على مقاليد الأمور فيها ، كما سيأتي بيانه(وشاركهم فى نفس الموقف اسماعيل صدقى). ويحتوى البيان الذى أصدرته الحركة على أوهام سخيفة واستنتاجات ملفقة مثل قوله (.. إن الأمم المتحدة قد أصدرت قرارها بتقسيم فلسطين إلى دولتين على أساس إنهاء الاحتلال البريطاني ، وعليه فإن الطريق الوحيد لتوحيد الدولتين الجديدتين يكمن فى المساهمة الجدية في طرد الاستعمار ( وماذا عن الاستعمار الإسرائيلي ؟ ) وإيجاد جو من الثقة والألفة ( يا سلام!) بين العرب واليهود والكفاح المشترك ضد التفرقة العنصرية ) ... يستطرد البيان مردداً أكاذيبه... ( إن رفض قرار التقسيم يرمى إلى وقف الحركات الوطنية، وتحويل حربنا الوطنية المقدسة إلى حرب دينية عنصرية تدعم مركز الاستعمار ( أليست إسرائيل دولة دينية عنصرية؟.) وأنه يرمى إلى صرف أنظار الجماهير الكادحة عن الكفاح).
أسطورة الحل السلمي
تلقت مسيرة السلام والتي بدأت بكامب ديفيد ثم أوسلو ومدريد ضربات موجعة، وتمخضت عن أوهام ولم يتحقق منها شيء . فلا كانت حرب 1973 هى آخر الحروب العربية، كما زعم السادات ، ولا حدث أى تقدم في طريق التسوية الشاملة للقضية العربية الإسرئيلية، بل أمعنت إسرائيل في فرض شروطها المجحفة ، ووسعت من إنشاء المستعمرات في الأراضي المحتلة لتقطيع أوصال ما تبقى من فلسطين بحيث يستحيل التواصل بين أجزائها إلا من خلال نقاط التفتيش الإسرائيلية والمرور في الطرق التي تسيطر عليها إسرائيل . أما الذين راهنوا على أن المجتمع الإسرائيلى ليس كتلة متجانسة من حيث الأيدلوجية السياسية ، وأن هناك قوى تسعى للسلام ومن ثم ينبغي تشجيعها على ذلك بمد يد الصداقة والتعاون المشترك بينها وبين العرب، فقد خاب ظنهم وسقطت افتراضاتهم ، فنتيجة الانتخابات الإسرائيلية تأتى بنخب سياسية شديدة التعصب والعنصرية ،لا يهمها سوى إرضاء الناخبين والذين أصبحوا أكثر صلفا وغرورا، يريدون أن يحققوا خرافاتهم في الامتداد من الفرات إلى النيل، ومنهم من يسعى صراحة إلى يهودية الدولة ، بعد ما ضللت الدعاية الإسرائيلية العقول حول الديمقراطية المزعومة في إسرائيل ؟ أما من ناحية الآثار غير المباشرة للحل السلمي فنحن نشاهد تفتت عدد من الدول العربية إلى دويلات وطوائف دينية وقومية كما يحدث في العراق والسودان ولبنان، وذلك نتيجة لضعف دور مصر الحيوي في المنطقة ورضوخها للملاءات الإسرائيلية والأمريكية، حتى إن واحداً من رموز الحزب الحاكم صرح مؤخرا بأن(رئيس الجمهورية القادم في مصر لا بد أن يحظى بموافقة أمريكا وإسرائيل ...)
لقد قدمت مصر لإسرائيل في معاهدة كامب ديفيد ما لم تحكم به ، وهذا ما يشهد به دعاة الحل السلمي أمثال الأستاذ حمروش ( أنظر صفحة 257 من كتاب أحمد حمروش : نسيج العمر- مكتبة الأسرة 2003) . كما بالغت مصر فى تدليل إسرائيل والاستجابة لكل طلباتها ، مهما كان ذلك صادما للرأي العام فى مصر والعالم العربي ، ومثيرا للاحتجاجات الشعبية . فهاهي تصدر الحديد والأسمنت لإسرائيل لتبنى يهما الجدار العازل بينها وبين الضفة الغربية ، والذي أدانته محكمة العدل الدولية ، وتوقع اتفاقية الكويز لتحطم ما تبقى من صناعات الغزل والنسيج في مصر ، ثم هاهي تصدر الغاز بسعر أقل بكثير من السعر العالمي ، مما يكيد مصر خسارة جسيمة ، ويعرض مخزونها من الوقود للنضوب بسرعة . لكن كل هذه التنازلات لم يواكبها أى اعتدال من جانب إسرائيل ، بل بالعكس هناك تشدد وتبجح ، وصل إلى حد خوضها غمار حربين كبيرين أحدهما فى لبنان عام 2006 والثانية على حدود مصر الشرقية في غزة 2008 . لماذا تتصرف إسرائيل على هذا النحو ؟ الإجابة واضحة من البداية – رغم أن هناك من تعمى أبصارهم عن رؤيتها – فمرة أخرى إسرائيل مشروع استعماري استيطاني إحلالي ، ولا بديل عندها لتحقيق أهدافها من استخدام العنف واستمرار الحرب . لقد سقطت كل الرهانات التي توهمها دعاة الحل السلمي وروجوا لها ، فأضروا بأمن ومستقبل مصر والعالم العربي وزادت القضية الفلسطينية تعقيداً. وعلى العكس من ذلك فقد حقق الاتجاه المقاوم سواء في جنوب لبنان أو فلسطين المحتلة ( غزة) صمودا استعادت به الأمة العربية بعضا من كرامتها وثقتها بنفسها ، برغم التفوق العسكري الهائل لإسرائيل ،مما يدحض ما يردده دعاة الحل السلمي من استحالة منازلة إسرائيل والانتصار عليها .
إن مقولات الحل السلمي المكررة مثل وجود قوى مناصرة للسلام داخل إسرائيل ينبغي على العرب التعاون معها ، وإنه يمكن الحصول على الحقوق العربية بالمفاوضات ... الخ ، قد ولدت فى الأربعينات من القرن الماضي على نحو ما أوضحنا ، وقد تم تبنيها وتجربتها منذ السبعينات ثم ها هي تثبت فشلها الذر يع في الأعوام الأربعة الأخيرة . ولعل ذلك الفشل هو ما يبرر الحملة الجديدة التي يدافع بها الأباء المؤسسون لأسطورة الحل السلمي والتطبيع مع إسرائيل ،،،،،،،،،،،،،،،،،،
3- هنري كورييل الوطني!
د. عمر السباخي ....جامعة الإسكندرية
يصف الأستاذ حمروش هنرى كورييل أمين عام منظمة حدتو بأنه كان وطنيا (ذكريات الأستاذ حمروش-الأهرام فى 8/1/2010). وبالطبع لا يمكن الاعتماد على شهادة الأستاذ حمروش إذ أنه ينتمي لنفس الفصيل السياسي لكورييل. والأكثر موضوعية أن نقرأ ما كتبه عنه مؤرخون تميزوا بالحياد والأمانة العلمية مثل الدكتور / رءوف عباس والمستشار طارق البشرى ، أو حتى شهادات بعض زعماء اليسار الشيوعي الذين انفضوا من حوله لشعورهم بأن كورييل هو أحد أسباب انحراف الحركة الشيوعية لصالح الصهيونية ، مما أدى إلى انصراف الجماهير عنها، إذ كيف تكون كل قوى الوطن ضد إنشاء دولة إسرائيل ويقف كوريل وحركته فى صفها مدافعا عن وجودها ؟ ومن قراءة أوراق كورييل ومتابعة مواقفه يخرج المرء بانطباع واضح وهو صهيونية كورييل والتي أخفاها في إطار من الرطانات الماركسية . وليس أدل على صهيونيته من أنه كان وراء حل( الرابطة الإسرائيلية المناهضة للصهيونية) ، في ذات الوقت الذي كان يدافع فيه عن ( حق اليهود القومي فئ تكوين دولتهم على أرض إسرائيل). وفى عام 1948 واجهت القوى السياسية المصرية تحديين كبيرين : الاستعمار اليهودي لفلسطين وما يمثله ذلك من تفكيك للعالم العربي وتهديد سلامه وأمنه ومستقبله ، وخطره على الحدود الشرقية لمصر، وهى الحدود التي أتت منها الغزوات المختلفة على مدى التاريخ ، أما التحدي الثاني فهو الاستعمار البريطاني الذى كان يحتل مصر منذ 1882 . وقد أعطت القوى الوطنية الأولوية لمحاربة الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين ، وكان هذا الاختيار مبنيا على تقييم حقيقي وموضوعي، فالاستعمار الصهيوني كان يمثل استعمارا استيطانيا يغير من ديموغرافية المنطقة ويقف حجر عثرة في طريق تحقيق الوحدة العربية ويخلق المشاكل لدول المنطقة ، أما الاستعمار الإنجليزي فقد كان خطره أقل فى هذه المرحلة ، فهو ليس استعمارا استيطانيا ولا يهدد وحدة الوطن الجغرافية ، بالإضافة إلى أنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وتغرب شمسه بعد الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من تدمير لقدراته العسكرية والاقتصادية ، وبزوغ الولايات المتحدة كأكبر قوة عالمية . أي أن خروج الاستعمار البريطاني من مصر كان أمرا مقضيا... لكنه مسألة وقت .وقد اتفقت كل القوى الوطنية والشعبية بمختلف توجهاتها وطوائفها على هذا الترتيب للأولويات ، لكن كوربيل وجماعته( بجانب إسماعيل صدقي) أصمت أذانها عن الاستماع لنبض الجماهير – خلافا للأفكار الماركسية – واتخذت موقفا نشازا..... ( بأن حرب فلسطين ترمى إلى وقف الحركات الوطنية وصرف أنظار الجماهير الكادحة عن الكفاح ...) . ولقد ثبت فيما بعد أن استعدادات الجيوش العربية لم تكن بالقدر الكافي ، كذلك لم يكن التخطيط والتعاون بينها مناسبا ، وثبت أيضا أن لدى العصابات الصهيونية الخبرة بفنون الحرب الحديثة والتي اكتسبتها من جراء انخراطها بجانب الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية ... لكن هل من المعقول أن تقف الشعوب متفرجة مستسلمة لهذا العدو الذي جاء بغرض احتلال الأرض وطرد سكانها ، وهل كان من الممكن عقد اتفاق سلام مع عدو له مثل هذه النيات الشريرة والتي تهدد وحدة العالم العربي وأمنه؟ أم كان مقاومة المغتصب هو رد الفعل الطبيعي ؟. وبعد طرد كوربيل من مصر عام 1950 ظل على صلة بأعضاء الحركة ، لكن جهوده انصرفت – وقد أصبحت إسرائيل دولة اعترفت بها القوى الكبرى – إلى جعلها دولة مقبولة من العالم العربي، وذلك من خلال إقامة علاقات بين القوى اليسارية في العالم العربي وإسرائيل ، وبمعنى آخر تطبيع العلاقات بين إسرائيل ومحيطها الإقليمى . لم تكن إسرائيل تواجه أي تهديد حقيقي من جانب مصر بعد 1952 ، لكن بن جوريون رأى إن تقدم مصر اقتصاديا وعسكريا وقيادتها للعالم العربي يمثل خطرا على أمن إسرائيل ، فتحالف مع انجلترا وفرنسا للهجوم على مصر عام 1956 ، وبذلك قدمت إسرائيل الدليل الساطع والقاطع على الطبيعة التوسعية والعدوانية للحركة الصهيونية ، وهو ما يدحض الأوهام حول أن إسرائيل كانت ستكتفي بحدودها طبقا لقرار التقسيم لو وافق العرب عليه . وبعد هزيمة إسرائيل سياسيا وعسكريا عام 1956 ، أراد كورييل تحقيق التطبيع من خلال إقامة حوار بين أعضاء حركته وقوى اليسار الاسرائيلى فيقول فى رسالته عام 1957 موجها اللوم للأعضاء الذين تقاعسوا عن إقامة هذا الحوار ( ... لم تعد هناك رسائل ترسل إلى الحزب الشيوعي الاسرائيلى ، بل ولقد ضربنا عرض الحائط بقواعد الأممية البرولتيارية ، إلى درجة رفض النقاش مع الشيوعيين الاسرائليين فى المؤتمرات الدولية ، وعلينا أن نعترف أن نقص العناصر ليس هو السبب فى هذا التقاعس ، لكن هناك فى الحزب تيارات أخرى لها انحراف أممى) . والتلويح بالانحراف الأممى في الحركات الشيوعية كان الوجه المقابل للمكارثية في أمريكا . ويواصل كورييل تعليماته لرفاقه (.. يجب أن نتحرك في اتجاه قوى السلام الإسرائيلية وتقويتها لعزل الأيدلوجية الصهيونية، لهذا فإن التقدميين العرب الذين سيكافحون للاعتراف بقوى السلام الإسرائيلية لا يجب أن يشعروا بالحرج أو بالخجل ، لأنهم سيصبحون المدافعين الأكثر قدرة والأوضح رؤية والأكثر شجاعة عن المصالح العربية ، أما العناصر المتطرفة المعادية لقوى السلام العربية والذين يظهرون كوطنيين غير متهاونين فى حقوق أوطانهم فعلينا النضال ضدهم ، لأنهم فى حقيقة الأمر الحلفاء الموضوعيون للقوى الغربية والامبريالية والرجعية الإسرائيلية ). وفى عام 1970 يصدر كورييل بيانا آخر يقول فيه ( لا يجب النظر إلى الشعب الإسرائيلي باعتباره شيئا واحدا من حيث التطلعات والأهداف . هذه نظرة خاطئة للغاية فداخل الشعب الاسرائيلى يوجد عنصران تختلف بل تتعارض أهدافهما وتطلعاتهما، العنصر الأول يتكون من الصهيونية الحقيقية أى أولئك الذين ذهبوا إلى إسرائيل بهدف واحد هو بناء الدولة اليهودية ، وهم يمثلون في إسرائيل أقلية ضئيلة ، والعنصر الثاني الذي يكون غالبية السكان اليهود ويتكون من اليهود الذين أقاموا هناك بسبب أنه ليس لهم مكان آخر يذهبون إليه. وإذا كان الأولون يكونون الأقلية والآخرون الغالبية ، فكيف حدث أن النفوذ الصهيوني كان غالبا بهذا الشكل ؟ هذا يرجع إلى أن الصهاينة يشغلون أماكن القيادة ، أما الآخرون منهم الكادحون والكادر والذين يمارسون مهنا حرة .... الخ ،لقد قبلوا نفوذ الأقلية الصهيونية بالقدر الذي شعروا فيه منذ بداية وجودهم بتهديد جيرانهم العرب ، وهذا التهديد هو الذي يكون أداة السيطرة الصهيونية على مجموع السكان ) . وهكذا فطبقا لتحليل كوربيل فإن العرب هم الذي هددوا الاسرائليين ، وإن الغالبية العظمى من اليهود كادحون مسالمون ...وهكذا يكون دس السم في العسل!!! على هذا النحو دائما كانت بيانات كورييل أمين الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ! ولا أجد فى النهاية أبلغ و لا أدق من النتيجة التي قيم بها د. فهمى عبد السلام كورييل فقال فى مقالته ( هنرى كورييل – لورانس الحركة الشيوعية المصرية – هلال فبراير 2001) : ( ....الحقيقة إن كورييل مارس خداعه علينا ، وظل يمارسه حتى قبل مقتله بساعات قليلة .... إنه نوع من الرجال من عينة عبد الله فيليبى ولورانس العرب، فلورانس كان يتصور نفسه مبعوث رسالة سماوية لرفعة الإمبراطورية الانجليزية ، وكما احتمل لورانس الصحراء اللافحة وهو فوق جمل أو على الأقدام ، يزرع الجزيرة العربية بحرارتها الرهيبة، احتمل كوربيل الطرد والتشرد والسجن ، وقد نذر نفسه ومواهبه وصبره الطويل وأمواله الطائلة لهدف واحد ، وهو خدمة إسرائيل ، لقد استخدم كل دهائه وكل نعومته لإخفاء هدفه ، لكن صهيونية كورييل ظلت صارخة وعلى الدوام).
ماالذى يدعو الآن إلى الحديث عن وطنية كورييل وإعادة الاعتبار إليه ؟لقد أثبتت مقولاته المضللة فشلا ذريعا وسقطت كل افتراضاتها،بينما حقق الاتجاه المقاوم نجاحا مشهودا ومبشرا فى جنوب لبنان(2006)وغزة (2008)،ولعل هذا النجاح هو هو ما يبرر الحملة المضادة التي يدافع بها الأباء المؤسسون عن أسطورة الحل السلمي والتطبيع مع إسرائيل ،،،،،،،،،،،،،،،،،،
أضيف بواسطة : إدارة الموقع
التعليقات على هذا الموضوع
أضف تعليق
|