دراسات- إشكاليات توثيق الحركة الوطنية اليمنية ومكانة أحمد النعمان...د.أحمـد القصـير – مفكر من مصر... :
إشكاليات توثيق الحركة الوطنية اليمنية ومكانة أحمد النعمان
بحث مقدم لندوة إحياء الذكرى المئوية لميلاد مؤسس حركة الأحرار اليمنيين أحمد محمد نعمان
جامعة عدن 9- 11 نوفمبر 2009
د.أحمـد القصـير – مفكر من مصر
مدخل
على الرغم من الكتابات العديدة التي ظهرت حول الحركة الوطنية في اليمن الحديث فإن تاريخ تلك الحركة وتطوراتها لا يزال في احتياج إلى توثيق وتدوين. فإن الأجيال الحالية لا تعرف الخلفيات التي شكلت ذلك التاريخ. كما لا تعرف الشخصيات الرئيسية التي سطرت صفحاته. ويعتبر أحمد محمد نعمان (26 أبريل1909-27 سبتمبر1996) من أبرز وآوائل الشخصيات التي حفرت سطورا بارزة في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية. فقد كان الشخصية المحورية في حركة الأحرار اليمنيين التي تأسست عام 1944 وطالبت الإمامة في شمال اليمن بإجراء إصلاحات.
وقد صدرت كتابات عديدة حول تلك الحركة وحول الشخصيات الفاعلة في ذلك التاريخ إلا أن البعض منها يغلب عليه الانطباعات ولا يقدم صورة حقيقية ودقيقة عن تطور تلك الحركة ولا عن الذين أسهموا بنضالهم في عملية خروج اليمن من حياة القرون الوسطى. فإن بعض الدراسات حول تطور المجتمع وحول تاريخ اليمن الحديث ونشأة حركة المعارضة اليمنية في أربعينات القرن العشرين يغلب عليها عدم التعمق في الأحداث وخلفياتها. كما أنها لا تغوص في وثائقها.
وفضلا عن ذلك فإن جهود مراكر البحث المعنية لم تسفر عن تقديم دراسات موثقة وافية حول تاريخ الحركة الوطنية اليمنية شمالا وجنوبا ولا عن الخلفيات الاجتماعية الثقاقية التي أسهمت في بروز تلك الحركة وشكلت ملامحها.
وعلى سبيل المثال فإن تلك المراكز وكذلك بعض الأقسام العلمية المعنية في الجامعات لم تلتفت كثيرا إلى عملية تشكل ثقافة اليمن الحديثة. وهي الثقافة التي نشأت ارتباطا بظهور شخصية غير قبلية نتيجة بزوغ شرائح اجتماعية جديدة من مجموع أبناء مختلف مناطق اليمن الذين انخرطوا في أشكال غير تقليدية من النشاط الاقتصادي في عدن. ولا جدال في أن مثل تلك التطورات قد شكلت خلفية لتاريخ اليمن الحديث. كما كان لها انعكاساتها على الحركة الوطنية اليمنية ومنظماتها فضلا عن نوعية التوجهات التي تبنتها تلك المنظمات. ويشير مثل هذا الوضع إلى وجود عدة إشكاليات تواجه عمليات البحث والتوثيق والتدوين حول المجتمع اليمني وقضاياه بما في ذلك تطور الحركة الوطنية اليمنية.
إشكاليات تواجه تدوين تاريخ الحركة الوطنية
هناك أكثر من إشكالية تتعلق بدراسة التطورات في المجتمع اليمني بما في ذلك ظهور الحركة الوطنية في العصر الحديث ومراحل تطورها وطابع كل مرحلة.. وهى إشكاليات تحتاج إلى المعالجة الصائبة لكي يزول ما يحيط أحيانا بتاريخ تلك الحركة وقضاياها من تشوش وعدم وضوح الرؤية. ويمكن أن نرصد هنا بعض تلك الإشكاليات .
أولا - التعقيدات الكامنة في تركيبة المجتمع اليمني
تتعلق هذه الإشكالية بالتعقيدات الكامنة في تركيبة المجتمع اليمني بل إنها تنشأ نتيجة تلك التعقيدات ذاتها. ومن بين تلك التعقيدات التداخل بين ما يمكن تسميته بالتقسيمات الاجتماعية الرئيسية والتقسيمات الفرعية. فلا يتم عادة التفرقة والتمييز بين التقسيمات الطبقية في المجتمع، وهى التي نسميها تقسيمات رئيسية، وبين التقسيمات الفرعية المتمثلة في التقسيمات الطائفية والمذهبية وما إلى ذلك. كما لا يزال بعض الباحثين يخلطون بين مكونات بنية الأساس ومكونات البنية الفوقية. وعلى سبيل المثال، وحسبما أوضحنا في دراسات سابقة، فإن النسب والمولد أو المذهب قد يرمز في بعض الأحيان إلى شريحة اجتماعية معينة، لكنه لا يشكل الطبقة ذاتها. فلم يكن جميع السادة ولا جميع من ينتسبون للمذهب الزيدي ينتمون إلى الحكام أو كبار ملاك الأراضي، بل كان بينهم ولا يزال الغني والفقير. وباختصار فإن السادة على سبيل المثال لم يشكلوا طبقة اجتماعية واحدة. وهم موزعون على طبقات مختلفة. كما أنهم لا ينتمون إلى مذهب واحد. وإن تجاهل مثل هذه القضايا يؤدي إلى عدم وضوح منهجي .
ثانيا – إغفال قضايا التاريخ الاجتماعي
تتمثل هذه الإشكالية في ابتعاد بعض الباحثين عن التناول الجاد لقضايا التاريخ الاجتماعي لليمن المعاصر. وهناك الكثير من القضايا التي لا تلقى الاهتمام على الرغم من أنها وثيقة الصلة بنشأة الحركة الوطنية وتطورها. وعلى سبيل المثال لا يستطيع أي باحث أن يتناول نشأة الحركة الوطنية وتطورها في اليمن شمالا وجنوبا دون التعرض، على سبيل المثال، للتطورات المختلفة التي حدثت في عدن وتأثيراتها. ونعني هنا بوجه خاص ما نشأ في عدن منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر من نشاط اقتصادي جديد. وهو النشاط الذي واكبه ظهور مهن جديدة وشرائح اجتماعية جديدة. وترتب على ذلك تأسيس منتديات وجمعيات وتنظيمات ترتبط بتلك المهن والشرائح. وقد أفضت تلك التطورات إلى خلق ثقافة جديدة وشخصية يمنية غير قبلية. فقد قامت عدن بصهر اليمنيين الذين وفدوا إليها من مختلف المناطق اليمنية. ومن ثم ظهرت شخصية يمنية حضرية بثقافة وتطلعات جديدة. وكان لكل ذلك تأثيره البالغ على التطورات في اليمن شمالا وجنوبا. ولا جدال في أن تناول القضايا التاريخية الاجتماعية يستلزم عدم تجاهل مثل تلك التطورات.
ثالثا – ضعف عملية التوثيق وحفظ الوثائق
تتعلق هذه الإشكالية مباشرة بعملية التوثيق وتجميع الوثائق التاريخية وحفظها من الضياع. فلم تتوفر بما يكفي جهود جامعة فيما يتعلق بعملية توثيق الحركة الوطنية. ولم تستطع مؤسسات البحث المعنية إنجاز متطلبات هذه المهمة، ولم تقم بأعمال كافية في هذا المجال. كما لم تبذل أعمالا يمكن أن تدفع الأشخاص والأسر الذين بحوذتهم الكثير من الوثائق التاريخية إلى إيداع ما لديهم في مكتبات تلك المؤسسات. ولا ننسى أن الكثير من الأفراد والأسر يحتفظون بوثائق دون أن يستفيد بها أحد. وقد تضيع نهائيا بمرور الزمن.
لقد ظهرت كتابات عديدة قام بها أفراد وشخصيات كان لها ارتباطها بالحركة الوطنية. وهى كتابات ذات فائدة دون جدال، لكن هذا الأمر يختلف عن عملية التوثيق والتدوين. ومع ذلك هناك بعض الكتابات الموثقة والهامة. ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى أعمال الكاتب والأديب على محمد عبده. وهو من رعيل المناضلبن الآوائل، وكان يكتب عادة في الصحف العدنية. كما واصل بعد ذلك الكتابة في سبعينات القرن العشرين في دوريات في صنعاء مثل مجلة "الكلمة".
ظل على محمد عبده يحفر في تاريخ الحركة الوطنية ووثائقها إلى أن وضع مجلدين عن تاريخ تلك الحركة. فقد قام على سبيل المثال بعملية توثيق هامة شملت بعض أوجه النشاط والأعمال منذ ثلاثينات القرن العشرين. وشمل ذلك نص كتيب "الأنة الأولى" الذي وضعه النعمان في نهايات ثلاثينات القرن العشرين. كما قام بتوثيق عملية نشأة حركة الأحرار اليمنيين، ومن بينها "حزب الأحرار اليمني" و"الجمعية اليمنية الكبرى". وخلال ذلك أوضح أدوار أحمد محمد نعمان والقاضي محمد محمود الزبيري ورفاقهما. كما قام بتوثيق نشأة "الاتحاد اليمني" ونشاطه في عدن والقاهرة "من المهد إلى اللحد" حسب تعبيره. وقد حفظ علي محمد عبده بعمله هذا وثائق تاريخية نادرة من الضياع. غير أنه لم يستطع أن ينشر ما أنجزه إلا في عام 2003. ففي ذلك العام صدر المجلدان تحت عنوان "لمحات من تاريخ حركة الأحرار اليمنيين".
عندما أتكلم عن ضعف جهود المؤسسات فيما يتعلق بتاريخ الحركة الوطنية اليمنية فإنني استند إلى تجربة شخصية في هذا المجال. فقد شاركت في لجنة توثيق الثورة اليمنية في إطار مركز البحوث والدراسات اليمني في بداية ثمانينات القرن العشرين. ولم يكتف المركز آنذاك بجمع شهادات من الأشخاص المعنيين في داخل اليمن بل وفي خارجها أيضا. وكان في الخارج آنذاك الرئيس عبدالله السلال وشخصيات وطنية أخرى مثل عبدالغني مطهر.
غير أن الرئيس السلال أدلى أيضا بشهادته عن التاريخ والثورة بعد عودته من منفاه بالقاهرة عام 1981، وتم تسجيل تلك الشهادة بالصوت والصورة في جلسات مفتوحة بمركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء وبحضور عدد من الباحثين والشخصيات. وقد أصدر المركز بعض الأعمال الهامة الناتجة عن تلك الجهود. غير أن بعض ما جرى تجميعه وتسجيله لم يتم نشره ولا يعرف أحد مصيره.
رابعا – دور الموسوعات اليمنية
إن ما يتم تسجيله في الموسوعات اليمنية حول الحركة الوطنية وشخصياتها الفاعلة إنما يحفظ ذاكرة التاريخ. وقد أسهمت موسوعة مؤسسة العفيف بجهد رائد في هذا المجال. غير أنه تم استبعاد بعض القضايا والأحداث ولم يتم تناولها رغم محوريتها. ومن جانب آخر كانت هناك في بعض الأحيان اعتبارات غير موضوعية في تحديد كتاب بعض المواد، وهو ما أدى إلى غياب أو تغييب بعض المعلومات التاريخية وعدم ظهورها في تلك المواد.
خامسا- مصير وثائق الحزب الاشتراكي اليمني
ينبغي أن نشير أيضا إلى إشكالية تتعلق بوثائق الكفاح المسلح في عدن وجنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني والتطورات اللاحقة بما في ذلك تأسيس الحزب الاشتراكي. ويكتنف الغموض مصير تلك الوثائق خاصة بعد أحداث حرب 1994. وقد حاولت عام 1993 عن طريق الصديقين عمر الجاوي وأبوبكر السقاف الحصول من الحزب الاشتراكي اليمني على بعض الوثائق بغرض كتابة بعض المواد لموسوعة أوروبية عن العالم العربي. وأفادني عمر الجاوي أن سالم صالح الأمين المساعد للحزب الاشتراكي اليمني آنذاك هو المسؤول عن الأرشيف والوثائق وأنه وافق على إرسال الوثائق المطلوبة. لكن تطورات الأحداث آنذاك وتعقد الأزمة السياسية ثم نشوب الحرب الأهلية في عام 1994 حال دون ذلك. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما هو مصير ذلك الأرشيف بعد التطورات التي حدثت خلال الأعوام الماضية؟ وهل ضاعت مع التاريخ أم مازال يحتفظ بها سالم صالح؟
سادسا - هل حركة 1948 انقلاب أم ثورة؟
هناك رأي واسع الانتشار يعتبر أن حركة عام 1948 ثورة، بينما تري الشخصيات الأساسية الفاعلة في تلك الحركة أنها كانت انقلابا. ونعني بتلك الشخصيات أحمد محمد النعمان والقاضي محمد محمود الزبيري تحديدا. كما أن المقصود بحركة 1948 هو عملية اغتيال الإمام يحى ومحاولة حركة المعارضة تنصيب شخص آخر من خارج أسرة حميد الدين وإقامة شكل من الشورى. ويلاحظ أن القول بأن أحداث 1948 كانت ثورة إنما تتبناه بعض الأعمال خاصة تلك الصادرة عن "مركز الدراسات والبحوث اليمني". لكن هناك ما يدعو إلى التحفظ على هذا الأمر وعدم قبول هذا التوصيف. وعلى سبيل المثال فإن أحمد محمد نعمان والقاضي محمد محمود الزبيري، وهما أبرز قادة حركة 1948، لا يقولان أن تلك الأحداث كانت ثورة وإنما انقلابا. وقاما بتسطير قولهما هذا عام 1956 في دستور "مطالب الشعب". فقد جاء في "مطالب الشعب" ما يلي تحديدا: "التحقيق في إجراءات الإعدامات وإدانة المسئولين عنها وتسليم دية للشهداء الذين اعدموا بعد الانقلاب الأول والثاني إذا رضي بالدية أهلهم، وتعويض عائلاتهم عن النكبات التي حلت بهم وإعادة ما نهب من أموالهم".
والمقصود بالانقلاب الأول هو حركة 1948 والثاني هو انقلاب الثلايا عام 1955. كما أن النعمان كان قد وقف بوضوح ضد حركة الثلايا. وعلاوة على ذلك توجد أسباب أخرى تدعو إلى عدم وصف حركة 1948 بالثورة سنذكرها عند تناول البند التالي أو الإشكالبة التالية تحت عنوان ضرورة التفرقة بين حركة الأحرار الدستوريين وحركة 1948.
سابعا - التفرقة بين حركة الأحرار الدستوريين وبين حركة 1948
من الأمور التي لا تعطي صورة واضحة عن التاريخ اليمني الحديث الخلط بين حركة معارضة الإمامة التي نشأت في عدن بقيادة النعمان والزبيري وبين حركة أو انقلاب 1948. فإن عدم التفرقة بينهما يفضي بنا إلى حالة من عدم وضوح الرؤية. وقد تبنى رجال حركة المعارضة أهدافا إصلاحية في إطار نظام الأمامة. وظلوا ما بين 1944 ومنتصف 1947 يدعون إلى إلغاء المظالم وإلى إصلاحات دستورية، بل وتم تسميتهم بالإصلاحيين الدستوريين. وكان نشاطهم يتركز أساسا في مطالبة الإمام يحى وولي عهده الأمير أحمد بالإصلاح وإقامة الشورى والتخفيف من المظالم والضرائب.
وفي منتصف 1947 تداخلت معهم قوى أخرى. فمن جانب تداخل معهم فضيل الورتلاني مندوب الإخوان المسلمين الوافد من مصر. وقد انتقل إلى اليمن على أنه مندوب لشركة محمد سالم. وينبغي التنويه هنا بأن محمد سالم كان متزوجا من زينب الغزالي الشخصية الإخوانية الشهيرة. كما التحق أيضا بحركة الأحرار في نفس الوقت أفراد من أسر طامحة في منصب الإمامة في المقام الأول أكثر من اهتمامها بالإصلاح.
ويعني ذلك أن حركة 1948 ضد الإمامة المتوكلية قد ضمت شخصيات وقوى لم تكن معنية بالإصلاح قدر سعيها إلى مطامح خاصة، كما أن هذه القوى كانت توجهاتها تتسم بالتزمت والمحافظة والإرهاب والبطش أيضا. وهو أمر يثير التساؤل حول حقيقة مواقفها والتحاقها بالأحرار. وعلاوة على ذلك فإن مشاركة جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر في الانقلاب جاءت انطلاقا من أهداف تلك الجماعة وتصوراتها بأن اليمن هو المكان المثالي لإقامة دولة إسلامية.
عملت القوى المشار إليها آنفا على تهميش قادة الأحرار الدستوريين خاصة أحمد محمد نعمان أبرز قادة الأحراروالذي لم يوافق على اغتيال الإمام يحى. وعلى سبيل المثال رفضت تلك القوى التي التحقت بالمعارضة في اللحظات الأخيرة أن يتولى النعمان وزارة الخارجية في حالة نجاح الانقلاب وحددوا له وزارة الزراعة.
ثامنا - تاريخ الحركة الوطنية بين جهود مراكز البحث والجهود الفردية
تتمثل الإشكالية الثامنة، التي نرى أن عملية توثيق الحركة الوطنية اليمنية تواجه صعوبات بسببها، في ضعف جهود المؤسسات المعنية سواء في الجامعات أو مراكز البحث. وفي نفس الوقت نجحت بعض الجهود الفردية في هذا المجال. وقدمت كتابات حفظت، على سبيل المثال، معلومات ووثائق عن شخصبات مثل أحمد محمد نعمان والقاضي الزبيري، وعن منظمات مثل حزب الأحراراليمنيين والجمعية اليمنية الكبرى والاتحاد اليمني. وقد أشرنا آنفا إلى المجلدين اللذين وضعهما في هذا الصدد على محمد عبده.
ويمكن أن نشير في هذا المجال أيضا إلى جهود أحمد كمال نعمان حفيد أحمد محمد نعمان. فقد قام بجهد متميز ودؤوب في تجميع بعض الوثائق الخاصة بالحركة الوطنية عامة وكل ما يتعلق بوالده محمد أحمد نعمان بوجه خاص. وأسفر ذلك الجهد عن تجميع كل كتابات محمد أحمد نعمان وتم حفظها من الضياع والنسيان.. وأمضى سنوات عديدة في إنجاز هذا العمل ونجح في تجميع الكتابات المعنية. وكان أيضا يزود الباحثين بصور منها. وفي عام 2001 قامت أسرة النعمان بنشر ما تم تجميعه في مجلد بعنوان "محمد أحمد نعمان الفكر والموقف" دون إشارة إلى جهود أحمد كمال نعمان ودوره في ذلك الصدد. كما ضم المجلد وثائق هامة عبارة عن مراسلات محمد أحمد نعمان إلى بعض الشخصيات من بينهم شقيقه فؤاد
مكانة النعمان في الحركة الوطنية
بدأت حركة الأحرار والمطالبة بالإصلاح في إطار نظام الإمامة المتوكلية بتأسيس حزب الأحرار اليمني في عدن عام 1944. وتم انتخاب أحمد محمد نعمان رئيسا للحزب وزيد الموشكي نائبا للرئيس وأحمد الشامي أمينا عاما والقاضي الزبيري مديرا. لكن السلطات البريطانية حظرت نشاطه بتدخل من الإمام يحي. وفي أبريل 1945 تم تجميده نهائيا نتيجة الخلافات الداخلية واستمالة الإمام لبعض عناصره. ومرت فترة من اليأس.
وفي 4 يناير 1946 تأسست "الجمعية اليمنية الكبرى" كبديل لحزب الأحرار وانتخب القاضي الزبيري ريئسا له وأحمد النعمان أمينا عاما. وواصلت هذه الجمعية حركة المعارضة التي نادت ببعض الإصلاحات في سياسات الإمامة وإدخال نظام من الشوري. ولم تتضمن مطالب تلك المعارضة تغيير نظام الإمامة ولا شرط هاشمية الإمام أو زيديته. وانتهت هذه الحركة بفشل انقلاب 1948، لكن معارضة الأمامة استمرت بعد ذلك بتأسيس الاتحاد اليمني في عدن أيضا في يوليو 1952.
يعتبر النعمان في واقع الأمر ابرز الزعماء السياسيين والتنظيميين لحركة "الأحرار اليمنيين" أو "الأحرار الدستوريين". وكان دوره محوريا في تلك الحركة منذ هروبه من تعز إلى عدن في أربعينات القرن العشرين. ققد كان يأمل ومعه الزبيري وآخرون في إحداث اصلاحات سياسية واقتصادية في المملكة المتوكلية من خلال تواجدهم بالقرب من ولى العهد أحمد في تعز. وكان يأمل ان تكون صلته بولي العهد وسيلة يتم من خلالها إجراء إصلاحات في إطار الإمامة. وازداد هذا الأمل عندما كلف الأمير أحمد النعمان بأن يتولى تعليم ابنه البدر. ولكن النعمان ورفاقه خاصة الزبيري فقدوا الأمل في امكانية إجراء إصلاحات في نظام الحكم عن هذا الطريق. كما شعروا في نفس الوقت أنهم قد يتعرضوا لخطر الاضطهاد والبطش إذا استمروا في تعز. ومن هنا هرب النعمان والزبيري من تعز إلى عدن.
تتمثل براعة النعمان في تلك الفترة في أنه كان قائدا لشخصيات يصعب أن تخضع للقيادة. ويمكن القول أنهم كانوا أشبه برؤساء القبائل الذين ينظرون إلى بعضهم البعض كأقران ولا يقرون بالتراتب الهرمي. والجميع يشيد بدورالنعمان المحوري. ونجد أن القاضي محمد محمود الزبيري يقول عنه أنه "الصانع الأول لقضية الأحرار". كما أن القاضي عبدالرحمن الإرياني يخاطبه بأنه "القائد للحركة". ولم يكن أحد غيره يعرف الذين يتبرعون لتمويل حركة المعارضة. فقد كان التجار والمهاجرون هم الذين يمولون حركة المعارضة بما في ذلك إعاشة رجال المعارضة الفارين في عدن. وكانت جميع اتصالاتهم وتبرعاتهم تتم، دون استثناء، عن طريق أحمد محمد نعمان. وبعد القبض عليه بعد فشل حركة 1948 رفض الإفصاح عن أسماء الممولين والمساهمين في الحركة. وربما كانت رغبة الإمام وأمله في معرفة أسماء المتبرعين من بين أسباب عدم إعدامه للنعمان. فإن الإعدام يعني دفن هذا السر نهائيا. وإن كان هناك اعتقاد بأن معارضة النعمان لاغتيال الإمام يحى كانت أيضا من أسباب عدم إقدام الإمام أحمد على إعدامه.
سوف نتناول الآن مواقف أساسية للنعمان طوال تاريخه الوطني. وهي مواقف تشكل ملامح توجهاته ومنطلقاته فيما يتعلق بتطور اليمن والإصلاحات الضرورية اللازمة لكي تتخلص اليمن من الجهل والظلام والجمود حسب كلماته.
إضاءات حول النعمان ومكانته
في ضوء الوثائق والمعطيات المتاحة يمكننا أن نتناول القضايا التالية فيما يتعلق بدور أحمد محمد نعمان في الحركة الوطنية ومكانته:
1 – الدور الفكري والعملى الذي قدمه أحمد نعمان بدءا من إسهامه المتميز في دراسة بعض جوانب التاريخ الاجتماعي لليمن في نهاية ثلاثينات القرن العشرين. ونعني بذلك دراسته الرائدة التي وضعها عام 1938 تحت عنوان "الأنة الأولى".
2 – نظرته للعلم والتعليم كوسيلة لخلاص اليمن من الجهل والظلام والجمود ودوره في هذا الشأن بدأ من دعمه الشديد والمثمر لتدريس العلوم الحديثة في المدرسة التي أنشأتها أسرته في القرية مع أنه كان في البداية يعارض هذا التوجه.
3 – محاولة إصلاح الإمامة من داخلها.
4 – بعض تطورات الحركة الوطنية التي كان لها تأثيرها على النعمان وفكره.
5 – دور النعمان عام 1956 في تطوير "الاتحاد اليمني" بالقاهرة وتغيير توجهاته السياسية بما يتجاوز تطلعات حركة 1948. وهو تطور واكب التغييرات الجديدة في الحركة الوطنية اليمنية التي ظهرت مع نشأة شرائح اجتماعية جديدة وشخصية يمنية غير قبلية خاصة في عدن. وهى تطورات جعلت الحركة الوطنية تدخل منعطفا جديدا.
6 - مواقف النعمان كرجل دولة لا يقبل أن يستمر في مناصبه إذا ما كان استمراره في المنصب يتعارض مع مواقفه وقناعاته.
وسوف نتناول هذه القضايا بشئ من التفصيل.
أولا: أفكار النعمان حول بعض جوانب التاريخ الاجتماعي لليمن
عرض النعمان تلك الأفكار في "الأنة الأولى" التي ألفها في فترة دراسته للشهادة العالمية بالأزهر الشريف بالقاهرة في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن العشرين. و"الأنة الأولى" عبارة عن شرح لأسباب الهجرة وأشكال اضطهاد الرعية باستخدام الإمامة أساليب "الخطاط" و"التنافيذ" و"التخمين" في تحصيل الضرائب. وقد نشر ما كتبه في شكل رسالة من المهاجرين اليمنيين موجهة إلى الأمير أحمد نجل الأمام يحى. ووضع النعمان في مقدمة أسباب الهجرة أشكال الاضطهـاد التي يتعرض لها الأهالي متمثلة في فداحة الضـرائب و"الخطاط" و"التنافيذ" و"التخمين" التي تستخدمها الإمامة لا لمجرد جمع الضرائب بل كوسائل عقابية ضد السكان. ولا تزال "الأنة الأولى" هي الأوفى والأعمق حول هذا الموضوع. وقد تردد صداها في أعمال محمد أنعم غالب الشعرية والبحثية. وتردد صداها أيضا في كتاب سلطان ناجي "التاريخ العسكري لليمن 1839 – 1967". وقد وصف محمد أنعم غالب في ديوانه "غريب على الطريق" تأثير الضرائب الجائرة على الهجرة قائلا:
حين صار في عداد الوارثين
أثبت اسمه "علي" في دفتر الزكاة
طارده الجباه
وباع نصف ثروته ليدفع الزكاة
وأجرة التقدير والجباه والجنود
ورشوة الحاكم والأمير
وغادر الوطن
من الأمور التي تثير الانتباه أن الدراسات الجامعية لم تهتم كثيرا بمعالجة علمية تفصيلية لقضايا التاريخ الاجتماعي لليمن ومن بينها تلك القضايا التي تناولها أحمد محمد نعمان في الأنة الأولى". وينبغي التنويه بأن النعمان عاد مرة ثانية إلى تأكيد تلك الأفكار عن "الخطاط" و "التنافيذ" في دستور "مطالب الشعب" الذي أصدره بالاشتراك مع القاضي محمد محمود الزبيري بالقاهرة عام 1956.
ثانيا: النعمان ودور العلم والتعليم الحديث
للنعمان تجاربه المتميزة في هذا المجال منها تأسيس كلية بلقيس في عدن عام 1961. وكانت بدايات تجاربه المميزة في هذا المجال قيامه في ثلاثينات القرن العشرين بدعم تدريس العلوم الحديث كالتاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والبدنية والموسيقى في المدرسة التي أنشأتها أسرته في قريته بالحجرية. وعلاوة على ذلك تم تأسيس مكتبة للاطلاع إلى جانب تلك المدرسة. ومن المهم أن نشير إلى أن أحمد محمد النعمان كان في البداية يعارض هذا التوجه لكنه عاد ووافق على دعمه بقوة. وكان يدير المدرسة حيدرة الذي ارتبطت شخصيته فيما بعد بإسهامات بارزة في مجال التعليم في اليمن الجنوبي سابقا. لكن الإمام وضع حدا لهذا الصرح التنويري وقام بإغلاق المدرسة.
كان أحمد محمد نعمان يرى أن العلم والتعليم الحديث هو المفتاح الرئيسي الذي يعين اليمن على التخلص من الجهل والظلام والجمود حسب تعبيره. كانت تلك هي وجهة نظره مع أن تعليمه كان دينيا. فقد تعلم في مؤسستين دينيتين بارزتين. الأولى في مدينة زبيد اليمنية. وكانت مركزا للفقه الشافعي مثلما كانت صعده مركزا للفكر الزيدي. والمؤسسة الثانية هي الأزهر بالقاهرة حيث حصل على شهادة العالمية.
ومن الأمور التي تشير إلى نظرته المتميزة حول أهمية العلم والتعليم ونوعيته ما جاء في ندائه إلى أبناء الشعب اليمني لكي يسارعوا في بناء كلية بلقيس في عدن. فقد قال في ذلك النداء:
"لابد أن تعد مجموعة من الشباب نفسها لتحمل مهمات التعليم بعقلية متفتحة تعي جيدا أحوال شعبها، وتدرك المهالك التي طرح فيها بالمواطنين، ودفنوا فيها تاريخ أمجادهم منذ تنكبوا عن الأخذ بأسباب العلوم، علوم بناء الحياة". وقد تحققت دعوة النعمان بالفعل حيث تولي الإشراف على الكلية شباب متفتح يؤمن بالعلوم الحديثة ويتطلع إلى تحديث اليمن وتقدمه. ونعني هنا حسين الحبيشي ومحمد أنعم غالب. فقد تولى الحبيشي عمادة الكلية بينما تولى محمد أنعم إدارتها. وكانت تلك الكلية تضم كل المراحل الدراسية حتى المرحلة الثانوية. كما ردد النعمان وجهة نظره حول أهمية العلم أيضا في رسالة بعث بها من القاهرة إلى أحد قادة الاتحاد اليمني في عدن وهو محمد أحمد شعلان عام 1962 قبل ثورة سبتمبر بفترة وجيزة. وجاء في تلك الرسالة: "لأن اليمن وقد ورثت جهلا وظلاما وجمودا لا يمكن أن يقضي على جهلها وظلامها وجمودها سوى العلم الذي يجب أن ينتشر في جبالها ووديانها ومدنها وقراها.. والعلم يجب أن تتضافر على نشره جهود اليمنيين وأموالهم وعقولهم".
ثالثا: إصلاح الأمامة من داخلها
بذل النعمان الكثير من الجهد والسنين في محاولة إصلاح نظام الإمامة من داخله. وشاركه في ذلك عدد آخر من "الأحرار" خاصة القاضي محمد محمود الزبيري. ومن بين دواعي تبنيه هذا التوجه تصوره بأن ذلك يمكن أن يتم بالتأثيرعلى أحمد ولي العهد. كمل اعتقد بعد ذلك أنه يمكن أن يتم من خلال البدر الذي أصبح فيما بعد وليا للعهد بعد أن تولى والده منصب الإمامة. وكان النعمان هو الذي تولى تعليم البدر. وعمل النعمان على دفع الأمور ليكون البدر وليا للعهد وليس غيره، غير أنه تخلى عن هذا التوجه في عام 1956. فقد كان آنذاك مع البدر في وفد رسمي في السعودية، لكنه ترك الوفد وهرب إلى القاهرة. ولعب دورا في تطوير توجهات الاتحاد اليمني في القاهرة مع الزبيري وزاد من سقف المطالب والإصلاحات.
كما اتفق مع آخرين في يوليو 1962 على التخلص من بيت حميد الدين وكل حكم فردي مطلق وإقامة حكم شعبي تكون الكلمة فيه للشعب من خلال مؤسساته الدستورية المنتخبة. وقام بتوقيع وثيقة تدعو إلى ذلك. وجري ذلك في القاهرة مع أربعة يمنيين آخرين. وهم محمد محمود الزبيري وعبدالرحمن البيضاني وكانا يقيمان في القاهرة مثلهما مثل النعمان. كما وقع البيان شخصان آخران من قيادة الاتحاد اليمني في عدن هما محمد علي الأسودي ومحمد أحمد شعلان. وعاد الأخيران بعد ذلك إلى عدن. لكن النعمان تنكر بعد ذلك هو والزبيري لتلك الوثيقة بعد أن أذاع عبدالرحمن البيضاني أسماء الموقعين عليها عند إذاعتها عبر إذاعة صوت العرب بالقاهرة. ولم يكن متفقا على ذلك. فقد اتفق الموقعون على الوثيقة على عدم إذاعة الأسماء. وقد أقر عبدالرحمن البيضاني بأنه خرج بالفعل عن ذلك الاتفاق وأذاع الأسماء، وحاول تبرير ذلك الأمر. وجاء هذا الإقرار والتبرير في رسالة بتاريخ 3 سبتمبر 1962 وجهها البيضاني من القاهرة إلى محمد أحمد شعلان في عدن.
رابعا: تطورات في الحركة كان لها تأثيرها على النعمان وفكره
شهدت الحركة الوطنية اليمنية في النصف الأول من خمسينات القرن العشرين تطورات نوعية جديدة أثرت في التوجهات العامة للتنظيمات والقوى الوطنية اليمنية بما في ذلك الاتحاد اليمني بالقاهرة بقيادة النعمان والزبيري. وحدثت تلك التطورات بتأثير عدة عوامل من بينها:
1 - بروز دور العمال والتجار وتنظيماتهم مثل النقابات والاتحاد اليمني ونشاطهم في عدن. وقد تجاوزهذا النشاط أهداف حركة 1948 الإصلاحية.
2 – نشاة الحركة الطلابية اليمنية وتنظيماتها في مصر ومطالبتها بإقامة "يمن ديمقراطي موحد" بعد التخلص من الاستبداد في الشمال والاستعمار في الجنوب. وقد لقيت هذه الحركة وتوجهاتها ترحيبا ودعما من قوى وطنية في عدن ومن القائد السياسي والمفكر البارز عبدالله باذيب بوجه خاص. فقد كتب عبدالله باذيب بصحيفة الفجر العدنية في 6 أغسطس 1956 واصفا الوثيقة الصادرة عن تلك الحركة الطلابية بأنها وثيقة سياسية خطيرة "تلقي أضواء جديدة من شأنها تعميق جذور حركتنا الوطنية ودفعها نحو النضج والتكامل". وكانت بعض الصحف العدنية تنشر أفكارالحركة الطلابية اليمنية بمصر وبياناتها. وينبغي التنويه بأن هذه الحركة كان لها تأثيرها المباشر على الاتحاد اليمني بالقاهرة. وقد شكلت ضغوطا دائمة على النعمان والزبيري بوصفهما قادة هذا الاتحاد.
كما أن تأثير الحركة الطلابية اليمنية في مصر لم يقتصر على "الاتحاد اليمني" وحسب، بل امتد أيضا إلى "رابطة أبناء الجنوب". وكان لها فرعا في مصر. وأذكر أنه عند مشاركة شيخان الحبشي بخطبة باسم "رابطة أبناء الجنوب" في أحد الاحتفالات السنوية بثورة 23 يوليو 1952 بالقاهرة كان يقاطعه أبوبكر السقاف، وهو أحد قادة الحركة الطلابية، بهتاف يدعو إلى "يمن ديمقراطي موحد".
3 - علاوة على ما سبق كان لثورة 23 يوليو 1952 تأثيرها على مختلف القوى الوطنية على الساحة العربية بما في ذلك الاتحاد اليمني بالقاهرة.
خامسا- تطوير النعمان لتوجهات الاتحاد اليمني بالقاهرة وتجاوزه تطلعات حركة 1948
بعد انتقال النعمان في منتصف خمسينات القرن العشرين إلى القاهرة تولى عملية تطوير في توجهات الاتحاد اليمني. وتجاوزت التوجهات الجديدة بكثير توجهات حركة 1948 ومطالبها. ففي 8 أغسطس 1955 فر النعمان إلى القاهرة، وكان في ذلك الحين مرافقا للبدر ولي العهد في زيارة إلى السعودية. لكنه ترك الوفد وفر هاربا إلى مصر. وقد أشرنا إلى ذلك آنفا. وكان السبب المباشر لموقفه هو تهديد الإمام أحمد بأنه سيقضي على كل من يطالب بالإصلاح حتى ولو كان ابنه البدر.
وفي القاهرة اشترك النعمان مع الزبيري في قيادة الاتحاد اليمني وفي إعادة إصدار "صوت اليمن" التي كانت تصدر في عدن عن "الجمعية اليمنية الكبرى" في أربعينات القرن العشرين. كما بدأ يذيع أحاديث عبر إذاعة صوت العرب. لقد ظهر تأثير النعمان في مجالي تنظيم نشاط الاتحاد اليمني ونوعية مطالب المعارضة. وتمثل ذلك في إصدار "مطالب الشعب" بمشاركة الزبيري. وحمل دستور "مطالب الشعب" الذي صدر في 21 فبراير 1956 توجهات تختلف عن التوجهات التي جاءت في دستور "آمالنا وأمانينا" الذي كان الزبيري قد أصدره باسم الاتحاد اليمني بالقاهرة في الفترة السابقة على وصول النعمان.
صدرت "مطالب الشعب" باسم "الأحرار اليمنيين" نيابة عن "الشعب اليمني المجيد". ومن بين ما جاء فيها:
1- الملك يملك ولا يحكم.
2- تأليف حكومة انتقالية من أبناء الشعب تقوم بإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية وأن تلتزم الحكومة الانتقالية بالميثاق الوطني المرفق كدستور مؤقت أمام الشعب الممثل في الجمعية التأسيسية.
حدد دستور "مطالب الشعب" مهام عاجلة للحكومة الانتقالية المشار إليها آنفا كان من بينها المهام التالية:
1– المحافظة على استقلال اليمن وحريتها ووحدتها.
2- إلغاء الاحتكار وإطلاق حرية التجارة.
3- الإفراج عن المسجونين السياسيين والرهائن.
4- تحريم قطع الرؤوس إلا بحكم قضائي صادر من محكمة مختصة.
5- التحقيق في إجراءات الإعدامات وإدانة المسئولين عنها وتسليم دية للشهداء الذين اعدموا بعد الانقلاب الأول والثاني إذا رضي بالدية أهلهم، وتعويض عائلاتهم عن النكبات التي حلت بهم وإعادة ما نهب من أموالهم.
6- إلغاء الخطاط والتنافيذ والتخمين وجعل الزكاة أمانة في كافة مناطق اليمن.
7- تنظيم الجيش وتحسين أحواله في طعامه وسكنه وملبسه وسلاحه ومعاشه حتى يكون في غنى عن التنافيذ قادرا على القيام بمهمته الطبيعية كحارس أمين للبلاد.
8- إنشاء مجالس اقليمية وبلدية وقروية في الألوية والمدن والقرى لتمارس كافة الشؤون المحلية على أساس النظام اللامركزي.
لا جدال في أن هذه المطالب عبرت عن أوضاع وتأثيرات جديدة أشرنا إليها آنفا.
ويمكن أن نشير هنا أيضا إلى التأثير المباشر للحركة الطلابية اليمنية في مصر. وكان يقودها مجموعة من اليساريين من بينهم أبوبكر السقاف وابراهيم صادق وخالد فضل منصور وعبده عثمان محمد وعمر الجاوي ومحمد جعفر زين ومحمد أنعم غالب. وقد اشترك أحد هؤلاء وهو محمد أنعم غالب في كتابة دستور "مطالب الشعب".
سادسا: النعمان كرجل دولة
كان النعمان رجل دولة تولى الكثير من المناصب. لكنه كان سرعان ما يقدم استقالته بسبب عدم توافق مواقفه وقناعاته مع الأوضاع. وقد تولى رئاسة الوزارة في 1965 وفي 1970. ولكنه قدم استقالته في المرتين بعد شهور معدودة. وكانت الأولى في 20 أبريل 1965 واستقال في يوليو من نفس العام. وشارك آنذاك في مؤتمر خمر الذي جاءت قراراته تعبيرا عن الجمهوريين المعتدلين الذين أرادوا إبعاد الرئيس عبدالله السلال والمصالحة مع الملكيين. وكان هو والقاضي عبدالرحمن الإرياني من قادة هذا التوجه.
وفي 3 مايو 1970 تولى رئاسة الوزارة، لكنه استقال في 19 يوليو من نفس العام بسبب معارضة سياسته المالية التي أراد بها الموازنة بين الإيرادات والمصروفات وإنفاق القروض على مشاريع انتاجية لتوفير عائد لتسديد القروض بدلا من تسديدها بقروض جديدة. كما كان قد استقال أيضا من عضوية المجلس الجمهوري الذي تشكل بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967 بعد أسبوعين فقط من تعيينه في ذلك المجلس.
انتقل النعمان في عام1974 للإقامة في بيروت. وبعد اغتيال ابنه محمد أحمد نعمان هناك وتشييعه في اليمن ذهب للإقامة في السعودية، لكنه انتقل في 1988 للإقامة في جنيف. وفي مايو 1993، أي بعد الوحدة اليمنية، وجه رسالة إلى مجلس النواب اليمني حول ما ينتظره الشعب من الأعضاء وعن المأساة التي ارتكبها الجميع بالسكوت على القهر أو بمباركته. وتشير تلك الكلمات إلى أن المظالم التي ناضل النعمان طويلا من أجل إزالتها من حياة اليمنيين ظلت تؤرقه حتى آواخر حياته.
المراجع
1 - أحمد القصير، التحديث في اليمن والتداخل بين الدولة والقبيلة، دار العالم الثالث، القاهرة، 2006.
2 - أحمد محمد نعمان، الأنة الأولى.
3 - أحمد محمد نعمان، رسالة إلى محمد أحمد شعلان، في 12 سبتمبر 1962.
4 - أحمد محمد نعمان، رسالة إلى نواب الشعب، مايو 1993.
5 – سعيد أحمد الجناحي، الحركة الوطنية اليمنية من الثورة إلى الوحدة، مركز الأمل للدراسات والنشر، عدن وصنعاء، 1992.
6 – سلطان ناجي، التاريخ العسكري لليمن 1839 – 1967، بدون دار نشر، عدن، 1976.
7 – عبدالرحمن البيضاني، رسالة إلى محمد أحمد شعلان، في 3 سبتمبر 1962.
8 – عبدالله أحمد مرشد، نشوء وتطور الحركة النقابيـة في اليمـن، وزارة الثقافة بعدن ودار ابن خلدون ببيروت، 1981.
9 – على محمد عبده، الاتحاد اليمني من المهد إلى اللحد، مجلة الكلمة، العدد 47، مايو 1978.
10 - علي محمد عبده، لمحات من تاريخ حركة الأحرار اليمنيين، الجزء الأول، منتدى النعمان الثقافي للشباب والمعهد الفرنسي للآثار والدراسات الاجتماعية بصنعاء، صنعاء، 2003.
11 - علي محمد عبده، لمحات من تاريخ حركة الأحرار اليمنيين، الجزء الثاني، منتدى النعمان الثقافي للشباب والمعهد الفرنسي للآثار والدراسات الاجتماعية بصنعاء، صنعاء، 2003.
12 – فؤاد أحمد محمد نعمان، رسالة إلى أحمد القصير، في 26 نوفمبر 1992.
13 - محمد أحمد نعمان الفكر والموقف – الأعمال الكاملة، صنعاء، 2001.
14 – محمد عبدالواسع حميد الأصبحي، محمد عبدالواسع حميد الأصبحي يتذكر – الجزء الثاني، 1990.
15 – محمد علي الأسودي، حركة الأحرار اليمنيين والبحث عن الحقيقة، 1987.