|
الياس سحاب
أعتقد أن الخط التنازليللتآكل التاريخي الذي دخلت فيه العناصر التاريخية للقضية الفلسطينية منذ سنواتعديدة، قد وصل منذ مدة غير قصيرة، الى حالة من التردي التي أصبح استمرارها يهددالقضية بدخول مرحلة من التصفية النهائية التي قد يصبح الرجوع عنها مستحيلا.
والوقائع تؤكد أن مرحلة التصفية قد بدأت منذ سنوات، لكنها لم تبلغ يوماً حدالخطر التاريخي الذي تقف عنده في هذه الأيام.
وملامح التصفية بدأت برأيي معبداية تطبيق اتفاقية أوسلو، منذ سبعة عشر عاما، عندما ارتكبت عملية الخلط التاريخيبين الأصل التاريخي لقضية فلسطين، وقضية الأراضي المحتلة في العام 1967.
ومع أنعملية الخلط هذه تمت في عهد قيادة ياسر عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدأت (على عكس ما رأى منتقدوها منذ البداية) بإنجازات شديدة الهامشية، كانت ذروتها فيإيجاد مساحة من المناطق التي وضعت تحت التصنيف «أ»، مما أوجد وهماً بأن التحرير قدبدأ. صحيح أنه شمل مساحة محدودة، لكنها «البداية» التي وعدنا بها أصحاب هذه النظرية (نظرية القبول ولو بشبر محرر في البداية) وصولا الى النهايات التاريخية الأولى التيتضمنها الميثاق الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لكن هذه المرحلة، مع كلالالتماعات الخلابة التي أحاطت بها في البداية، لدرجة إسكات معظم الأصوات المعارضةأو المنتقدة أو المحذرة من العواقب، ما لبثت أن بدأت تتعرض لحالة من التآكلالمتدرج، الذي كان أخطر ما فيه، ليس فقط تراجع السلطة الفلسطينية الفعلية علىالمناطق «أ»، بل أيضا الكشف عن أن تلك السلطة لم تكن في حقيقتها بداية (ولومتواضعة) لعملية تحرير وطني حقيقي، بل كانت في حقيقتها وجوهرها وشكلها، مجرد منحةمن الاحتلال الإسرائيلي، ومنحة مؤقتة، تستطيع إسرائيل (وقد نفذت ذلك فعلا)، تقليصمساحتها، كما تقليص محتواها السياسي، الى حد فاضح، وصل بقائد عملية تطبيق بنوداتفاقية أوسلو، ياسر عرفات، حداً جعله يقف بقدميه أمام هوة التصفية التاريخية، التيكانت قد اكتملت، ولم يبق إلا توقيعه عليها، باسم شعب فلسطين.
ولقد استهول أبوعمار، أكثر مرة في حياته السياسية المديدة، النتائج الخطيرة للمساومة التاريخيةالتي حملت عنوان أوسلو، بعد أن جردت القضية من عمقها العربي أولا، ثم من عمقهاالتاريخي الفلسطيني ثانيا، الرابط بينها وبين الجريمة الأصلية التي ارتكبت في العام 1948.
لذلك، فقد كان بديهيا أن تتحول السنوات الثلاث الأخيرة في عمر ياسر عرفاتالى السنوات الأنضج في حياته السياسية، ولكن الوقت كان قد فات، فوجد نفسه على قمةالسلطة في رام الله، أمام مفترق يؤدي، كما يبدو، الى طريقين لا ثالث لهما:
ـإما التوقيع باسم شعب فلسطين على وثيقة التصفية التاريخية النهائية للقضية.
ـأو الانتظار في موقعه، حتى يقضي شهيدا، شهيدا، شهيدا، كما كان يردد بنفسه، وكما حصلبالسم الإسرائيلي القاتل، كما ترجح إحدى نظريات موته المشبوه، بعد حصار خانق دامثلاث سنوات.
والحقيقة أنه كان أمام ياسر عرفات طريق ثالث، لكنه لا يبدو واضحاأمام عيون القابع في قمة السلطة، هو حل السلطة نفسها، بعد وصولها الى ذلك المأزقالتاريخي، وإلقاء كل مسؤولية المشهد الغريب المعقد، الذي وصلت اليه القضية، علىكاهل الاحتلال الإسرائيلي، وعلى كاهل المجتمع الدولي، المسؤول التاريخي عن وجودالقضية من أساسها.
المشهد نفسه يتكرر اليوم، بعد أن ازداد تدهور القضيةالفلسطينية باتجاه التصفية سوءا، بتطور العناصر السياسية التي حولت السلطةالفلسطينية الى رهينة حقيقية بيد الاحتلال الإسرائيلي، وبيد التحالف الاستراتيجيالأميركي ـ الإسرائيلي.
لم يعد كافيا للخروج من هذا المأزق أن تكرر السلطةالفلسطينية يوميا أنها لن تعود الى المفاوضات ما لم تعلن إسرائيل تجميد الاستيطان،ولو مؤقتا، وذلك لأسباب عديدة:
ـ لا، لأن بوسع أولياء أمور الممسكين بالسلطةإجبارها على العودة للمفاوضات، دون أي تنازل إسرائيلي، ما دام أولياء الأمور هؤلاء،يملكون العصب الحساس لوجود هذه السلطة ولاستمرارها، وهو التمويل.
ـ ثانيا، حتىلو قدمت إسرائيل التنازل الوحيد المطلوب منها فلسطينيا (وعربيا وأميركيا)، وهوالتجميد المؤقت للاستيطان، فمن قال إن هذه الخطوة كافية لرد القضية الفلسطينية عناستمرار التدهور في مهاوي التصفية النهائية؟
إن المخرج الوحيد أمام السلطةالفلسطينية، من أوضاعها الكارثية الراهنة، هو أن تمتلك هذه السلطة، شجاعة أن تطرحعلى نفسها هذين السؤالين:
ـ هل اتفاقية أوسلو قدر لا يرد؟
ـ لماذا لا نعلنحل السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ونعيد طرح القضية الفلسطينية الأصلية،على مسؤولية الاحتلال، والمجتمع الدولي؟
بغير هذه الخطوة التاريخية، لا يبدوالوضع الفلسطيني على قمة السلطة السياسية فيه، قادرا على تحقيق أكثر مما وصل إليهياسر عرفات في آخر أيام قيادته (الحصار ثم الموت).
بل ان تدهور الوضع منذ رحيلأبو عمار وحتى اليوم، ينذر بما هو أسوأ بكثير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جريدة " السفير " اللبنانية ـ صفحة " قضايا وآراء " ـ السبت 6 / 3 / 2010
|